السبت, 18 اغسطس, 2007
بقلم/عبدالناصر عبدالمجيد الباح
ابراهيم الاسطى عمر الشاعر الوطن |
|

ولد في مدينة درنة هبة الجمال والسحر سنة 1907م، وذاق من شظف الحياة، وضراوة الدهر الأمرين، فشب عصامياً، قوي الروح، قوي الاحساس، قوي الكفاح، وها هو يتقلّب في المهن البسيطةحيث عمل في شتى الوظائف البسيطة لكي يقوت نفسه من حطاب إلى عامل بإحدى المحاجر، إلى فرّاش، إلى رافع للأثقال فوق عاتقه، ولم يستنكف ذلك، بل لعله كان يعد نفسه، أو كان القدر يعده لحمل أمانة ينوء بحملها الضعاف من الرجال، وسل التاريخ فسوف تجد في خفاياه الكثير من العصاميين الذين بدأوا حياتهم عمالاً، ثم ما لبثوا أن سادوا الأمم، وملكوا الشعوب،افلقد كان ينتهز أوقات فراغه للدرس والتحصيل والمطالعة إلى أن تحصل على وظيفة كاتب بالمحكمة الشرعية بفضل جده و إشتهاده، ففي سنة 1935 اجتاز امتحان التأهيل لمعلمي اللغة العربية ، لكنه بقي في وظيفته بالمحكمة ، إلى سنة 1938 و استمر في المطالعة و التعرف على الأدباء الذين راسل بعضهم ، ومنهم شاعر الوطن أحمد رفيق
وشأن النفوس الكبيرة لم يرض لنفسه الذل على يد المستعمر، فخرج مهاجراً حين قرر الرحيل وولىّ وجهه شطر مصر والمشرق الشام ودمشق والعراق وفلسطين والأردن، .. ،و أثناء الحرب عاد إلى مصر ليشترك ، ويلتحق بجيش التحرير الليبي في معسكر الكيلو تسعة ، وحضر حصار طبرق.ولقد صقلته هذه الهجرة، إذ استفاد من هذه الشعوب الشقيقة أيما استفادة، فاك تسب خبرة وتجربة وثقافة، حتى ليقول أحد أقربائه، وهو الأديب مبروك الجيباني: "وفي أثناء هجرة المرحوم إبراهيم الأسطى عمر قبيل الحرب العالمية الثانية تفجّرت شاعريته ينبوعاً لا ينضب معينه، تفجّرت بشكل أدهش الكثيرين، من إجادة السبك، وغزارة الفكرة، وخصب الخيال، وقوة العاطفة واللغة، وانقلب ينشيء وينشيء فلا يمر قصير وقت حتى يكون قد ظهر لجلسائه بفرائد رائعة كلها وطنية، ولم تجد متنفساً إلا في مصر والشام والعراق"
و من بين القصائد التي جادت بها قريحته في تلك الفترة قصيدة .. الكتاب / البلبل السجين / السعادة .. تنضح بالقلق وشئ من الكآبة .. وتتأمل معنى الوجود ودور الإنسان في هذا الكون .. وتدين الحروب.كان ابراهيم مزيجا من عواطف حادة بقدر ما كان هادئًا منصتا قليل الكلام. كما كان ودودًا يفرح بالمواهب الشابة ويشجعها .. شاعرًا متأملا ذا نزعة صوفية وعُرف بعزوفه عن أكل اللحم .. ورغم ذلك كان مدخنا شرهًا .. ميالا إلى الوحدة ، لكنه محب الموسيقي والأدب الشعبي .. جادًا ووطنيا صلبا _ عاد الشاعر إلى وطنه حيث عين قاضياً بمحكمة المرج، على إثر مسابقة قضائية، وما لبث أن رشح نفسه ليكون عضواً بالبرلمان ولكن القدر لم يمهله ليؤدي رسالته في مجلس الأمة الليبي فمات غريقاً في 26 سبتمبر 1950م،

قال الشاعر عبدالغني البشتي في رثائه:
قالوا: طواك البحر، قلت: وهل ترى للدر منزلة سوى الدأماء؟ هو من كرائمها فعاد لأصله عاف الرغام، وسافي البيداء فدعوه روحاً سابحاً، لا تلحدوا جثما نه في مهمه غبراء فالدر موطنه البحار، وإن بين عنها ففوق ترائب الحسناء
وقد أدمنا النظر فيما حصلنا عليه من أشعار الأسطى، فإذا به من ذلك النوع الحسن الذي قد يعجزك تعليل حسنه، تسمع البيت منه فيشيع الطرب في نفسك قبل أن تعلم مأتاه، وقبل أن يتطلع العقل إلى فهم معانيه، ذلك هو شعر النفس، وهو أرقى مراتب الشعر، والأسطى عمر شاعر موفق، إذا قال متغزلاًَ أو واصفاً أو مردداً خلجات النفس، أوصائغاً انفعالات وطنية، رقيق حواشي الألفاظ، بعيد مرامي المعاني، يقول الشعر في الكثير لنفسه، فإذا جلس إليه، وسنح له المعنى العصري، تخيّر له اللفظ السرّي، والوزن الجديد.
باقة من أشعاره
|
رهين المحبسين
أبا العلاء ألا تدلي بأخبا ر وأنت في عالم مجهول أسرار؟
ما قلت في القبر إذ جاء الملائك؟ هل أقنعتهم بروايات وأشعار؟
أم ذاك منك خيال في الحياة؟ وكم حيرتنا بخيال فيك جبار
ما كنت ترهب في دنياك من أحد هلا تمردت في الأخرى "على الباري"؟
وجئتنا رغم أنف الموت تتحفنا برحلة لك في الفردوس والنار
فيها الحقائق، لا نسج الخيال ولا تنميق راو ولا تعزيم سحار
القلب الخفاق
بالله يا قلبي.. أرحني من عذاب الذكريات
وارحم بقية هيكل كالآل أضحى في الفلاة
لو لم يئن من العذاب لما رأته المبصرات
أخشى عليه من الوقوع لدى هبوب السافيات
لو مر "يوماً بالآثار لصف بين الموميات"
جسم كلا جسم، وقلب خافق طول الحياة
إن مرت الذكرى عليه حسبت داخله قطاة
ا لكتاب
أي شيء في حياة المرء أغلى من كتاب
يصقل الذهن، ويهديك إلى نهج الصواب
أو يسلّيك إذا ما كنت يوما في اكتئاب
أو يسرّي عنك غمّاً بفكاهات العذاب
إنه أنفع في الوحدة من لغو الصحاب
ليتني أنفقت في صحبته كل شبابي
ما ا لحياة ؟
قمت مذعورا من النوم على صوت ينادي يا إلهي
من ترى هذا الذي صد رقادي؟
ما الذي يرجوه مني: من ضلال أو رشاد
وأنا الأعمى، وسيري، فوق أشواك القتاد؟
**********
وتجلى الصوت في مسعى غريب النبرات
جاء من فوقي، ومن تحتي، ومن كل الجهات
فيه لطف، فيه عنف، فيه حزم وأناة
قال: هب نفسك ميتاً، ثم قل لي: ما الحياة؟
***************
قلت: آلام، وأحزان، ويأس، وشرور
وشقاء، وضلال، وجنون، وغرور
وأكاذيب، وظلم، وسخافات، وزور
وختام الفصل لا أدري .. إلى أين المصير؟
الطائر السجين
أيها المسجون في ضيق القفص صادحاً من لوعة طول النهار
ردد الألحان من مر الغصص وبكى في لحنه بعد الديار
***************
ذكر الغصن تثنّى
وأليفا يتغنّى
وهو في السجن معنّى
فبكى وجداً رأنا
وتمنّى
***************
يتلاشى مثل أحلام المنام والأماني ما أحيلاها ، خيال
من نسيم بين ضوء وظلام لو صحا في روضة والغصن مال
بين أغصان وخلان كرام ومضى يصدح في دنيا الجمال
ما به هدى وذكرى واعتبار ناصحا يروي لهم بعض القصص
***************
ضاق ذرعا بالأماني
وهو في نفس المكان
ويعاني ما يعاني
فرآ ني
***************
قال ملتاعاً: ألا تسعفني شارد اللب إليه ناظرا
لم تذق يا طير مر المحن قلت: لو كنت قويا قادرا
ولما استخذى فقر لغني ولبدلت النظام الجائرا
ولكان العدل للحق شعار ولكان الشر في الدنيا نقص
لا غني، لا فقير، لا شرار رزقنا يقسم فينا بالحصص
***************
هكذا تصفو الحياة
لجميع الكائنات
وتزول السيئات
سعينا في الحسنات
للممات
***************
عاجز مثلك مغلول اليدين غير أني أيها الطير الكئيب
وأنا الحر، ولو تدري، سجين في بلادي بين أهلي كالغريب
من إذا شاء فما شاء يكون عد بدعواك إلى المولى الرقيب
ربما جاءت على غير انتظار وارتقب فالحظ في الدنيا فرص
وتناساه فللعسر يسار واترك اليأس وغرد في القفص
***************
آه لو يدري مقالي
لشجاه اليوم حالي
غير أني بخيالي
في رشادي أو ضلالي
لاأبالي
قلبي قد عصاني
آهٍ من حبكِ يــــــا"...." قلبــــي قد عصاني
لـــم أكن اعــرف مــن قبــلــك أنسانـا رمـانـي
فسباني لذة النو م وعقلي وجـــــناني
كن رحيم القلب يا.. فالحــب غشـــاني
جد بوصل لا تدعني مـستـمر الـهـذيــان
فــلقـــــد يفــضحــك الشعر بخـطى أو لسانــي